الشيخ محمد رشيد رضا
78
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المسبب من نفع بعض العباد وضر بعضهم به حكمة له . وكل من سبب الشئ وحكمته أو حكمه مقصود للخالق الحكيم رأينا في مذهب دارون العالم الطبيعي الشهير أن الحكمة في ألوان الثمار كالمشمش والخوخ والبرقوق هي إغراء أكلتها من الطير والناس بها لتأكلها فيسقط عجمها « 1 » على الأرض لينبت فيها بسهولة فيحفظ نوعه بتجدد النسل أو ما هذا حاصله . ومن المعلوم بالضرورة أن لتلك الألوان أسبابا طبيعية تتعلق باستعداد نياتها وتأثير النور فيه . فهل تستنكر على حكمة من وفق بين أسباب تلك الألوان ذات البهجة في الثمار وبين مصلحة الطير بهدايته إليها وحفظ النظام العام ببقاء أنواعها أن يوفق بين أسباب إرسال العواصف والأعاصير وبين عقوبة الظالمين من البشر ليكون لهم زاجران عن الذنوب ، أحدهما : حذر آثارها الطبيعية الضارة بهم فان لكل ذنب ضررا لأجله كان محرما ، إذ لا يحرم اللّه على عباده شيئا لا عناتهم . وثانيهما ما يتخوف المؤمن من إصابة العقوبات الآفاقية إياه بذهاب الجوائح بماله إذا هو بغى وظلم . ومن هذا القبيل : ما سألني عنه غير واحد من أهل العلم والبحث ، وهو ما معنى جعل الشهب رجوما للشياطين ومنعها إياهم من استراق السمع لمعرفة الوحي من الملائكة مع العلم بأن للشهب أسبابا طبيعية ؟ وجوابه : أن الحكيم الخبير - الذي يوفق أقدارا لاقدار فيجمع بين السبب ومسببه وبين أمور أخرى تسوقها أسباب خاصة بها لحكمة وراء تلك الأسباب - هو الذي جعل لهذه الظاهرة الطبيعية ، تلك الحكمة الغيبية التي بينها الوحي ونطق بها الذكر ، ومثلها في عالم الطبيعة كثير ، ولعل لبعض الماديات تأثيرا في الأرواح الغيبية كتأثيرها في أرواحنا « وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا » أكتفى هنا بهذا التنبيه إلى هذه المسألة التي لم أر في كتاب ولم أسمع من لسان أحد قولا فيها وان لها لمواضع أخرى من التفسير كقوله تعالى ( 42 : 30 وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) وسنعقد لها فصلا في المقدمة وهنالك نجيب عما يرد عليها من الشبهات .
--> ( 1 ) العجم بالتحريك ما في جوف المأكول من النوى أو البذر